ثابت بن قيس

ثابت بن قيس

الصحابة الكرام هم خير الناس وأفضلهم إسلاما بعد رسل الله، لأنهم عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم واستقوا من هديه، فاجتمعوا حوله، واستمعوا له متمسكين بدينهم، محبين لنبيهم، لكل واحدٍ منهم أثر وبصمة في هذه الحياة.

ولقد كان من بين الصحابة الكرام خطيبًا بليغًا مشهودًا له بالفصاحة والبلاغة والبيان، منذ الجاهلية قد كان يفاخر بألفاظه الجزلة، وخطبه المرتجلة، فلما ظهر الإسلام إذا به يحظى بنيل شرف من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعينه خطيبًا للأنصار، بل وللرسول صلى الله عليه وسلم .

إنه الصحابي الجليل ثابت بن قيس بن شماس بن امرئ قيس الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا أحمد.

سمع النبي صلى الله عليه وسلم منه خطبًا فيها من الفصاحة والبيان ما يجعله يستحق أن يكون خطيبًا وشاعرًا، كما كان حسان بن ثابت.

وإن الذي دعا لأن يكون ثابت خطيب الرسول صلى الله عليه وسلم قصة طريفة حدثت بالمدينة  المنورة حين قدم وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فطلبوا المفاخرة والتنافس بالشعر والخطابة، وقد كان ثابت يجلس في مقعد النبي صلى الله عليه وسلم فقام وألقى خطبةً بليغة جزلة أثارت إعجاب الجميع، مما دعاهم أن يقولوا خطيبهم أخطب من خطيبنا، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم به وأصبح من يومها ينادى بخطيب الرسول صلى الله عليه وسلم ...

ولأنه صاحب الخلق الكريم، بكى ثابت بن قيس يومًا وعزل نفسه عن الناس حينما نزل قوله تعالى: " يا أيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم" سورة الحجرات.

فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل إليه يطلبه من منزله، فجاءه رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليقول له: ما لك قد اعتزلتنا يا ثابت، فقال ثابت وهو يبكي وينتحب: شرٌّ حلّ بي، كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقد حبط عملي، وأنا من أهل النار، فذهب الرجل وأبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: "ليس من أهل النار ولكنه من أهل الجنة" .

وفي يوم من الأيام أفاق الصحابة الكرام ليقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لاحظوا بيت ثابت بن قيس يضيء كل ليلة بمصابيح كثيرة، فأجابهم الصادق المصدوق: "لعله يقرأ سورة البقرة" ولما سُئل ثابت بن قيس قال: قرأت من سورة البقرة: " ءامن الرسول بما أُنزل إليه من ربه ....".

كثيرًا ما كان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته: نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة، نعم الرجل ثابت بن قيس.

غزا ثابت بن قيس مع النبي صلى الله عليه وسلم ما عدا بدر، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم شارك ثابت بن قيس في حرب المرتدين، وفي قتال مسيلمة الكذاب، ولما انهزم المسلمون في أول المعركة؛ وقف ثابت على صخرة ونادى بأعلى صوته: أيها الناس والله ما كنا نقاتل هكذا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذهب وتحنط ولبس كفنًا، وعاد يصيح: اللهم إني بريء إليك من جيش مسيلمة، وأعتذر إليكم مما صنع المسلمون، ثم حفر حفرة وثبت قدميه فيها، وأخذ يقاتل حتى استشهد.